/ الفَائِدَةُ : (41) /

06/03/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /نِظَامُ الْجَزَاءِ الْإِلَهِيِّ وَتَمَايُزُهُ بِتَمَايُزِ الْعَوَالِمِ/ إِنَّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): «إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا»(1)؛ يُمَثِّلُ بُرْهَانًا وَحْيَانِيًّا قَاطِعًا عَلَىٰ أَنَّ مِعْيَارَ الْمُحَاسَبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ مَنُوطٌ بِحُدُودِ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي حَازَهَا الْعَبْدُ فِي نَشْأَةِ الدُّنْيَا، لَا بِمَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ تَكَامُلٍ عَقْلِيٍّ فِي مَحَاضِرِ الْقِيَامَةِ وَمَقَامَاتِ الْآخِرَةِ الابدية . / الآثار الوضعية والعدالة الملكوتية/ /النظام الملكوتي وأثره في صياغة الحساب المعجل والمؤجل/ بَلْ إِنَّ الْحِسَابَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ مَرْهُوناً بِقَدْرِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ آثَاراً وَضْعِيَّةً يَتَكَوَّىٰ وَيَتَضَوَّىٰ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا، بَلْ وَفِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ؛ سَوَاءٌ اسْتَوْفَىٰ حَظَّهُ مِنَ النُّضْجِ الْعَقْلِيِّ أَمْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ مُحَاسَبَاتٌ مُؤَجَّلَةٌ أَوْ مُعَجَّلَةٌ جَارِيَةً وَفْقَ نِظَامٍ مَلَكُوتِيٍّ تَمْتَدُّ رَوَابِطُهُ إِلَىٰ عَوَالِمَ سَابِقَةٍ أَوْ لَاحِقَةٍ . /الآثار الوضعية للأفعال: امتداد الضرر إلى النسل وطبقات الذات/ /اليقظة الوقائية: مواجهة الآثار التي لا يحدّها الإدراك العقلي/ بَلْ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْأُخْرَىٰ : أَنَّ الْآثَارَ الْوَضْعِيَّةَ وَالْحَوْبَاتِ الَّتِي تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْحَرَامِ ـ مَثَلاً ـ تُؤَثِّرُ تِلْقَائِيّاً عَلَىٰ نَسْلِهِ وَعَلَىٰ عَقْلِهِ وَسَائِرِ طَبَقَاتِ ذَاتِهِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَىٰ يَقَظَةٍ وَفِطْنَةٍ وَوِقَايَةٍ وَاحْتِيَاطٍ كَبِيرٍ مِنْ هَٰذِهِ الْآثَارِ؛ فَإِنَّهَا ـ وَكَمَا تَقَدَّمَ ـ لَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ الْأَرْضِيَّةِ. / الْآثَارُ التَّكْوِينِيَّةُ وَالتَّدَاخُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ / بَلْ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْأُخْرَىٰ : أَنَّ لِلذُّنُوبِ حَوْبَاتٍ وَآثَاراً وَضْعِيَّةً تتعدى ذَاتَ الْعَاصِي ؛ فَان الْمَرْءُ وَإِنْ كَانَ طَائِعاً ولَا غُبَارَ عَلَىٰ أَعْمَالِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ بِسَبَبِ فِسْقِ وَفُجُورِ أَهْلِ الْمَعَاصِي تُصِيبُهُ وَتَشْمَلُهُ بَعْضُ الْحَوْبَاتِ وَالْآثَارِ الْوَضْعِيَّةِ مَا دَامَ يَقْبَعُ فِي قَوْقَعَتِهِمْ. إِذَنْ: الِاسْتِغْرَاقُ فِي بِيئَةِ الْمَعْصِيَةِ يُنْتِجُ أَثَراً وَضْعِيّاً يَشْمَلُ الْعَاصِيَ وَغَيْرَهُ مَا دَامَ الْجَمِيعُ فِي "قَوْقَعَةِ" وَمَنَاخِ الِانْحِرَافِ؛ وَلَعَلَّ هَٰذَا مَا يُفَسِّرُ بَيَانَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِلْفَتَى الْمُرْتَكِبِ لِلْعَظَائِمِ: «إِلَيْكَ عَنِّي لَا تُحْرِقْنِي بِنَارِكَ»(2). وَهَٰذَا يَفْتَحُ أُفُقاً لِفَهْمِ مَضْمُونِ بيان قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾(3)؛ فَمَتَىٰ مَا تَحَوَّلَتِ الرَّذِيلَةُ إِلَىٰ ظَاهِرَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، صَارَ الْمُجْتَمَعُ بِمَثَابَةِ "مُسْتَنْقَعٍ" يوجِبُ عَلَىٰ الْجَمِيعِ تَعْقِيمَهُ وَتَطْهِيرَهُ، وَإِلَّا عَمَّ الْبَلَاءُ الْكُلَّ بِصِفَتِهِمْ جُزْءاً مِنْ هَٰذَا الْكِيَانِ الْعُضْوِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ، وَجَبَ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِ تَوَخِّي الْيَقَظَةِ التَّامَّةِ وَالِاحْتِيَاطِ الشَّدِيدِ؛ لِأَنَّ هَٰذَا النَّمَطَ مِنَ الْآثَارِ ـ وَكَمَا تَقَدَّمَ ـ لَا يُقَاسُ بِمِقْدَارِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ الْأَرْضِيَّةِ، بَلْ بِمَوَازِينِ وَقَوَانِينِ عَالَمِ التَّكْوِينِ. /تَرْتِيبُ نُظُمِ الْجَزَاءِ بَيْنَ الْإِحْبَاطِ وَالْمُجَازَاةِ/ ثُمَّ إِنَّهُ ثَمَّةَ فَارِقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ نِظَامِ الْمُجَازَاةِ ـ ثَوَاباً وَعِقَاباً ـ فِي عَوَالِمِ : (الدُّنْيَا الْأُولَىٰ)، وَ(الْبَرْزَخِ)، وَ(الرَّجْعَةِ ـ آخِرَةِ الدُّنْيَا ـ)، وَ(الْقِيَامَةِ)، وَبَيْنَ نِظَامِ الْمُجَازَاةِ فِي عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ)؛ أَيْ: الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْخَالِدَتَيْنِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ الْمُحَكَّمَ فِي جَزَاءِ هَٰذِهِ الْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَىٰ هُوَ الْبَيَانُ الْوَحْيَانِيُّ وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ الواردة فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾(6)؛ وَمِنْ هُنَا وَرَدَ فِي الْمَأْثُورِ: أَنَّ إِبْلِيسَ مُكِّنَ مِنْ هَٰذِهِ الْقُدْرَةِ الْخَطِيرَةِ حَتَّىٰ صَارَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَىٰ الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ، وَحِيزَتْ لَهُ تِرْسَانَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْأَعْوَانِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْعَفَارِيتِ؛ وَذَٰلِكَ جَزَاءً لِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لِلَّهِ وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهَا خَوَاءً وَرِيَاءً، لَكِنَّ الْبَارِيَ (سُبْحَانَهُ) بِكَرَمِهِ شَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَجَابَ دَعْوَتَهُ لِظَاهِرِ قِشْرِهَا السَّلِيمِ. وَهَٰكَذَا حَالُ الْكَافِرِ؛ فَقَدْ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُ بِلِحَاظِ عَالَمِ الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ، بَلْ وَالْقِيَامَةِ أَيْضاً. بِخِلَافِ عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ)؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْمُحَكَّمَ فِي جَزَائِهِ يَنْظُرُ إِلَىٰ كُنْهِ الْعَمَلِ وَنَوْعِهِ (مِنْ حَيْثُ الْقَبُولِ وَالْإِحْبَاطِ)، لَا إِلَىٰ مُجَرَّدِ صُورَتِهِ. وَمِنْهُ تَتَّضِحُ كَثِيرٌ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ، مِنْهَا: بَيَانُ قَوْلِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ): «إِنَّ حُبَّ عَلِيٍّ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ»(7)؛ فَإِنَّهُ نَاظِرٌ إِلَى الْغَايَةِ النِّهَائِيَّةِ وَالْوُصُولِ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ؛ أَيْ: عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ). وَعَلَىٰ هَٰذَا قِسْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْحَاصِرَةَ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ بِـ: (الْوَلَايَةِ) وَ(الْإِخْلَاصِ)؛ فَإِنَّهَا نَاظِرَةٌ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ، وَلَيْسَتْ لِلْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوِ الْمُتَوَاتِرَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: (أَنَّ صَحَابَةَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يُعْرَضُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى الْحَوْضِ، فَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَيُؤْخَذُونَ عَنْهُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى الْحَوْضِ، فَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ لَهُ: لَا تَعْلَمُ مَاذَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ فَلَا يَبْقَىٰ مِنْهُمْ إِلَّا كَهَمَلِ النَّعَمِ). فَانْظُرْ: 1 ـ بَيَانَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «لَتَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أَصْحَابِي مِنْ أَهْلِ الْعِلِّيَّةِ وَالْمَكَانَةِ مِنِّي لِيَمُرُّوا عَلَى الصِّرَاطِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرَأَوْنِي، عَرَفْتُهُمْ وَعَرَفُونِي، اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ حَيْثُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ: بُعْداً وَسُحْقاً»(7). 2 ـ بَيَانَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَلَيُقْطَعَنَّ بِرِجَالٍ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ إِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَىٰ»(8). وَقَدْ عَلَّلَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ذَٰلِكَ، وَبَيَّنَتْ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِبُلُوغِ مَشَارِفِ الْحَوْضِ كَانَ: (لِسَوَابِقَ كَانَتْ لَهُمْ مَعَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -). وَمُؤَدَّىٰ هَٰذَا: أَنَّ نَفْسَ الْوُصُولِ إِلَىٰ أَعْتَابِ الْحَوْضِ مَطْلَبٌ جَسِيمٌ وَأَمْرٌ لَيْسَ بِالْيَسِيرِ؛ فَكَمْ مِنْ عَقَبَاتٍ كَؤُودٍ فِي الْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَدْ يَتَجَاوَزُهَا الْمَخْلُوقُ وَتُطْوَىٰ لَدَيْهِ لِيَظُنَّ أَنَّهُ فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ، لَكِنَّهُ يُخْتَطَفُ بَعْدَ ذَٰلِكَ كُلِّهِ، وَيُلْقَىٰ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِلَىٰ هَٰذَا الْمَعْنَىٰ الدَّقِيقِ تُشِيرُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ المعرفية الْأُخْرَىٰ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾(9). / اغْتِرَارُ وَافْتِتَانُ أَصْحَابِ تَحْضِيرِ الْأَرْوَاحِ / وَمِنْهُ يَتَّضِحُ: أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي تَحْضِيرِ الْأَرْوَاحِ رُبَّمَا يَغْتَرُّونَ وَيُفْتَنُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ مَشَاهِدَ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ، مِنْ تَنَعُّمِ بَعْضِ أَهْلِ النِّحَلِ وَالْمِلَلِ وَالْمَذَاهِبِ الْمُنْحَرِفَةِ؛ وَذَٰلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفَ مِنْهُمْ قَدْ يَتَنَعَّمُ لِصَالِحِ أَعْمَالِهِ، بَلْ حَتَّىٰ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُزَجُّ بِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِمُ الِامْتِحَانُ. إِذَنْ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحَصِّنَ نَفْسَهُ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ بِالْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ الْإِلٰهِيَّةِ الْحَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَىٰ تَنَعُّمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِ الصَّالِحِينَ فِي عَوَالِمِ: (الدُّنْيَا الْأُولَىٰ)، أَوْ (الْبَرْزَخِ)، أَوْ (الرَّجْعَةِ)، أَوْ (الْقِيَامَةِ) فَيُفْتَتَنُ فِي عَقِيدَتِهِ؛ إِذْ إِنَّ قَلْبَ الْمَخْلُوقِ فِي حَالَةِ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ دَائِمَيْنِ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَنَّةَ. فَعَلَيْهِ : أَنْ لَا يُسِيءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ (سُبْحَانَهُ)، وَأَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحُسْنِ الظَّنِّ وَيَقِينِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَبِرِجَالَاتِ الْوَحْيِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)؛ فَإِنَّ أَفْعَالَهُ (عَظُمَتْ آلَاؤُهُ) وَأَفْعَالَهُمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) لَا يُدْرِكُ حِكْمَتَهَا وَغَايَاتِهَا مَخْلُوقٌ قَطُّ، أَوَلَيْسَ الْمَلَائِكَةُ قَدْ أَخْفَقُوا فِي إِدْرَاكِ كُنْهِ حِكْمَتِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) وَمَعْرِفَةِ مَقَامِهِمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؟! فَانْظُرْ : بَيَانَاتِ الْوَحْيِ، وَمِنْهَا: بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(10). أَوَلَيْسَ قَدْ وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ فِي قُرْآنِهِ الْحَكِيمِ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً﴾(11)؟! فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي "تَصَاعُدِ لَأْوَاءِ الفِتْنَةِ" وَتَعَاظُمِ مِحْنَةِ المُؤْمِنِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ لِاسْتِزَادَةِ الأَجْرِ وَنَيْلِ الثَّوَابِ؛ إِلَّا أَنَّ القُوَى البَشَرِيَّةَ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ حَمْلِ أَعْبَائِهَا، أَوْ تَنْوءُ بِمُتَطَلَّبَاتِ الصَّبْرِ عَلَيْهَا؛ وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ): «أَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ الْكَافِرُ عَلَىٰ فُرُشٍ حَرِيرِيَّةٍ مَخْمَلِيَّةٍ وَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ، بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يُكَابِدُ غُصَصَ نَزْعِ رُوحِهِ»(12)؛ وَكَذَا وَرَدَ: أَنَّ بَعْضَ الْمَوْتَىٰ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ قَدْ يُفْتَنُونَ بِالدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ(13). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول الكافي ، 1 / كتاب العقل والجهل / 11/ ح7 . (2) (3) الأنفال : 25. (4) (5) (6) الزلزلة : 7 ، 8 . (7) بحار الانوار ، 28 : 282 . (8) بحار الانوار ، 28 : 22 . (9) آل عمران : 185. (10) البقرة : 30. (11) الزخرف : 33 ، 34 ، 35 . (11) (12)